الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة النوري بوزيد يلقي بكيس الحجر... بقلم الإعلامية شادية خذير

نشر في  20 جوان 2023  (20:43)

 بقلم الإعلامية شادية خذير

·  قد يكون للألم ألف لون ولون، ألوان تتدرج من الفاتح إلى الفاقع إلى الأسود، للألم لوحة من الألوان والتنويعات  اختار المخرج النوري بوزيد أن  يفتحها، يبدو انه قرر أن يتقاسمها مع جمهوره ، لعله تعب من ثقلها مع مرور الأيام أو لعله فهم في قرارة نفسه أن ما عاد هناك شيء يستحق السكوت أو المواراة فجميع الحقائق يجب أن تكشف وتفضح يوما ما.

  • · عملت مسيرة هامة ولم اترك السياسة كنت مناضلا ناشطا في السياسة والسينما في نفس الوقت وفي الأخير انتصرت السينما 

  الأربعاء 15 جوان العاشرة والنصف صباحا بالمكتبة السينمائية بمدينة الثقافة صباحا، الموعد لقاء مع المخرج النوري بوزيد بعنوان الإحساس بالوجع.

عبرت بهو مدينة الثقافة وكنت حريصة على الوصول في الموعد لذلك أقنعت نفسي بضرورة عدم التوقف عند معرض يقام على هامش مهرجان اتحاد الإذاعات الدول العربية  وكان ذلك.

لما وصلت سألت المخرج مراد بالشيخ وهو من سيدير اللقاء هل قدم النوري بوزيد فأكد لي ذلك.

نعم قدم النوري بوزيد  ولكنه لم يدخل قاعة الطاهر شريعة سوى  متأخرا وكأنه يعد لشيء ما ويحتاج للتركيز قبل الدخول.. ظل متواريا عن الجميع حتى تأكد أن النصاب قد إكتمل عندها دخل القاعة وجلس على الكرسي  المخصص له، كان كل شيء عاديا.

كان النوري بوزيد  يضع  مظلة شتاء رغم حرارة الطقس في شهر جوان، منذ سنتين أو أكثر لم يعد ينزع هذه المظلة عن رأسه، كان قليل الاعتناء بمظهره على عادته متمردا ثائرا على ترتيبات متعارف عليها في مثل هذه اللقاءات.

 

جميع ألوان ملابسه هي تدرجات لألوان البني والأسود مع حضور لافت للون الأخضر العسكري أما ذقنه فقد كساه  الأبيض منذ زمن، مقبل على الثمانينات ولكنه يبدو أصغر بكثير.

النوري بوزيد تحدث عن مرحلة البدايات كيف ظل طريقه إلى عالم الطب في السبعينات وكيف كان تفضيله للسينما على مدارج كلية الطب محل استهزاء من والده الذي قال له تركت الطب لتبيع تذاكر السينما؟

كان الحكم قاسيا على شاب وجد في السينما متعة و إجابة عن كل الأسئلة التي كان يعج بها عقله آنذاك .

كان النوري وهو شاب يكتشف عالم السينما، وهو في مقتبل العمر يقيم في منزل إحدى أخواته البنات وسط صفاقس ويقضي اغلب وقته في قاعة السينما القريبة من المكان.

 هناك اكتشف سحر هذا العالم ومعه عرف أن له من الصبر وسعة البال ما يجعله لا يعد الساعات وهو يشاهد الفيلم تلو الآخر.

 من البدايات انتقل  المخرج للحديث عن عائلته

ليتذكر الساعات الأخيرة في عمر والده وكيف كان يحرص على البقاء معه في نفس الغرفة في أيامه الأخيرة، النوري بوزيد إعتبر أن ذلك كان محاولة من كليهما للتحيل على الزمن وتحقيق ما عجز عنه الاثنان فيما مضى وتحدث معه رأسا لرأس كما يقال وهو الذي حرم من ذلك زمنا طويلا.

حجم الألم تضاعف لما انتقل المخرج للحديث عن إخوته الذكور الذين كانا يكبرانه سنا، كانوا يخجلون من كونه دخل السجن واستغلوا ذلك لإثناء والدهم عن وصيته بتمتع النوري بمنزل العائلة بسب وضعه وظروفه غير المستقرة.

 محاولة إخوته الذكور نجحت وحرم النوري من منزل العائلة، حرم بسبب ما اعتبره تحيلا على والده وإقناعه بالعدول عن رأيه فخسر المخرج نصيبه من ميراث والده.

كان اللقاء صباحا بالمكتبة السينمائية وقد اتخذ شكل الحوار مدفوعا بين الحين والحين بأسئلة المحاور المخرج مراد بالشيخ  الذي كان يبحث عن ترتيب مراحل حياة المخرج وجعلها غير مفصولة عن أثره السينمائي وطاوعه النوري بوزيد في ذلك  أحيانا ليوجه الحوار حيث يريد أحيانا كثيرة.

وكانت بداية خلطه للألوان مع حكاية سجنه في سنوات.. يقول النوري بوزيد أن خطيئته الكبرى قد تكون أنه أحب السينما بقدر حبه للسياسة، لم يستطع الفصل بينهما ومهدت الظروف له حتى يكون في قلب حراك سياسي عمالي لما كان بفرنسا وبلجيكا في السبعينات كان يحمل  اسما حركيا "حمادي ". وتدرج في العمل السياسي حتى صار مسؤولا عن وحدة والتحق بمجموعة "برسبكتيف" غير أن إشاعة سرت في النار كالهشيم تتهمه بالعمالة للبوليس وكان مصدرها شخصية سياسية بارزة تنشط لحد الآن كدرت صفوه.. يرويها بكل ألم ويبدو أنها ظلت  تحز في نفسه حتى أنه كررها أكثر من مرة خلال اللقاء بل قال  أكثر الشخصيات التي أحبها خميس بن هنية الذي اختبأ عندي في البيت وهو الوحيد الذي لم يتم القبض عليه  وقتها هل يكفي هذا حتى يصدقوا برائتي ؟

تجربة السجن في بداية السبعينات غيرت حياتي وللأبد هناك بدأت كتابة السيناريوهات وجميعها رميتها في القمامة، كتبت الشعر وكذلك صرت أكثر نضجا خمس سنوات وأربعة أشهر كان معنا في نفس الفترة الصادق بن مهني محمد الكيلاني ونور الدين بن خذر وفتحي بالحاج يحي وخميس بن هنية وآخرون ولعل ذلك الذي أقام معي في نفس الزنزانة والذي غادر بعد سنة فقط هو أكثر من أتذكر، رفض  المخرج الإفصاح عن اسمه ولكنه اكتفى بالقول انه بعد أن أجرى تقاطعات عديدة تيقن أنه الواشي الذي تسبب في رميه وراء القضبان وكان أمل النوري بوزيد كبيرا في انتزاع لحظة اعتذار من رفيقه في الزنزانة  في ذلك الوقت ولكن ذلك لم يحدث ... وذلك لون آخر من لوحة ألوان الوجع القادم من خيبة  متفردة.

 

 لم أتعافى رغم النجاحات

  • عملت مسيرة هامة ولم اترك السياسة كنت مناضلا ناشطا في السياسة والسينما في نفس الوقت وفي الأخير انتصرت السينما

كان الحاضرون واغلبهم من محبي السينما ومتابعي الأفلام وبعض من رفاق المخرج وناقدين ومسؤولين سابقين عن إدارة السينما يقطعون حكايات النوري بوزيد بإضافة بعض التفاصيل أو بتذكيره ببعض الحكايات الجانبية التي قد يكون نسيها.

كنت من بين الحاضرين ودفعني الفضول للسؤال عن حجم الألم الذي تحدث عنه وهل ساعدت جميع النجاحات  السينمائية التي حققها (من ريح السد إلى عصفور السطح إلى عرائس الطين و حصوله على التانيت الذهبي ومختلف التتويجات التي نالها)  هل ضمدت جراحه كما هو مفروض أو كما نتصور ؟

الصحفية شادية خذير :  هل ضمدت هذه النجاحات جراحك ؟

النوري بوزيد : "أبدا لم اشف لازلت متعبا واشعر بالحسرة اشعر بالألم الألم العميق لن أنسى ما فعله بي رفقائي من اليسار لن أنسى وأنا الذي ظللت انتظر اعترافا بسيطا من تسبب في سجني والذي بقي معي في الزنزانة سنة كاملة ولم يطلب الصفح لم أنس معاناتي من الاغتصاب الذي تعرضت له وأنا طفل من كان من المفروض أن يكون محل ثقة ".

 صمت في القاعة صمت رهيب بعد  تصريح المخرج بأن تعرض لللإغتصاب ،نظرت من حولي الى الوجوه فوجدت أن الجميع يحمل نفس السؤال و هل سمعت ما سمعت؟

تقاسم الجمهور ذلك اليوم لحظة تاريخية من البوح والصدق لم تكن عفوية بقدر ما كانت نابعة من إرادة للتخلص من حمل ثقيل ظل يجره لسنوات طويلة أرهقه وأتعبه وبعد إدراكه هذا السن قرر أن يرميه هكذا في أول فرصة وان كان لمح أكثر من مرة لتعرضه للاغتصاب إلا انه هذه المرة كان دقيقا في تصريحه أكثر من أي وقت مضى .

تلقف النوري بوزيد سؤال احد الحاضرين من الباحثين  عن الجنسانية في أفلامه كطفل يفتح علبة مفاجآت  بوزيد اعتبر أن أول حجر يضعه في بناء شخصياته السينمائية هو الحياة الجنسية  للفاعلين ، يعتبر أن منطلق الحكاية ومحركها هو ذلك السر الكامن في الحياة الجنسية للشخصيات  وهو الخيط الرفيع الذي يربط بين أفلامه من ريح السد أو بزناس . ويضيف حتى أسماء الشخصيات ليست بالمجانية هنك بحث عن شاعرية ما في الصورة ولكن في الحرف أيضا، أكتب سيناريوهاتي بعيدا عن العقلانية ليست هناك وصفة معينة ليست هناك حسابات أكتب كما يترائي لي  هذا ماتعلمته من  أساتذتي في معهد السينما بفرنسا وبلجيكا .

لم استطع مواصلة الاستمتاع باللقاء لظرف طارئ فغادرت ولكن كان لدي إحساس بالاكتفاء بما سمعت  خرجت بقناعة أن هذا الرجل قرر أن يتكلم وقرر أن يغادر  الصمت.

تركت قاعة الطاهر شريعة  وأنا مقتنعة بأن المخرج قرر أن  يرمي بكيس الحجر الذي أثقل ظهره منذ سنوات ، لعله  يريد أن يمر إلى مرحلة أخرى من حياته أو لعله يريد خلط  ألوان أوجاعه والتحكم في لوحة المفاتيح من جديد  المهم أنني كنت إزاء لحظة لا تتكرر كثيرا . فعلا جل اللقاءات تتشابه  ولكن بعضها تجيء كلؤلؤة  في الكنوز فريدة على رأي الشاعرة جميلة الماجري.